الملكة نازلي


في يوم الاثنين 15 يونيو 1894، ولدت الملكة نازلي زوجة الملك فؤاد الأول ووالدة الملك فاروق، وكان ميلادها في مدينة الإسكندرية في قصر أبيها في سان استيفانو، وكان القصر مجاورًا لقصر محمد باشا سعيد رئيس الوزراء الأسبق.

- كان والدها عبدالرحيم باشا صبري وزير الزراعة، ودائم التنقل بين القاهرة والإسكندرية على أن مقره الأول كان في القاهرة في عابدين، ثم انتقلت أسرة عبدالرحيم باشا صبري إلى قصر آخر في الدقي.

- والدتها كانت كريمة محمد شريف باشا «أبو الدستور»، وواضع دستوري 1879 ودستور الثورة العرابية 1882.

- جدها لأمها هو سليمان باشا الفرنساوي، الذي جاء لمصر مع الحملة الفرنسية، واعتنق الاسلام، وكان مؤسس الجيش المصري وأول من أسس مدرسة حربية في مصر، وكانت في أسوان بعيدا عن عيون أوروبا والباب العالي أيضًا، وكان أول قائد للجيش قبل إبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا، وقد واصل سليمان باشا مهمته حتى عصر سعيد باشا، في الفترة من 1854 إلي 1863.

- تزوجت من الملك فؤاد، وكان يكبرها بعشرين عامًا، وأنجبت منه خمسة أبناء، هم: الملك فاروق، الأميرة فوزية، الأميرة فائزة، الأميرة فائقة، ثم الأميرة فتحية.

- قيل إن الملك فؤاد كان شديد الغيرة عليها، يخفيها داخل جدران القصر ويعين الجواسيس لمراقبتها دائما

- خرجت شائعات تفيد أنه كان كثيرًا ما يعذبها وعندما توفي في إبريل 1936 شعرت نازلي بالحرية للمرة الأولى، بعد أن عاشت طويلا داخل جدران سجنها الملكي.

- لعبت الملكة نازلي دورا كبيرا بعد وفاة الملك فؤاد في تولي الملك فاروق للعرش، حيث كان فاروق عند وفاة والده لم يبلغ السن القانونية التي تمكنه من تسلم كامل سلطاته الشرعية، فعينت لجنة وصاية عليه كان يرأسها أبرز الطامعين في الحكم وقتها الأمير محمد علي توفيق، الأمر الذي دفع بالملكة نازلي لاستصدار فتوى من الإمام المراغي بأن يتم حساب عمر فاروق بالتقويم الهجري، كما يجوز له أن يتصرف في أمواله عندما يبلغ 15 عامًا من عمره، ليتسلم فاروق حكم البلاد وهو في عمر 17 سنة ميلادية، و18 سنة هجرية، طبقا للدستور الذي ينص على احتساب التقويم بالهجري.

- في 1935 تم اختيار أحمد حسنين باشا رائدا لولي العهد الملك فاروق، في بعثته الدراسية إلى لندن، وكان عمر فاروق وقتها 15 عامًا، وخلال الرحلة توطدت العلاقة بين فاروق وأحمد حسنين إلى درجة كبيرة، حيث منحه كامل الحرية، الأمر الذي كان يشكل تعويقًا للقائد العسكري عزيز المصري، في تأهيل فاروق على نحو من الانضباط والصرامة، فكان حسنين باشا يفسد ما يقوم به عزيز المصري

- أشيع أن أحمد حسنين هو أول من اصطحب الملك في هذه السن الصغيرة للسهر في ملاهي ونوادي لندن، غير أنه لم تمض سبعة أشهر حتى مات الملك فؤاد، وعادت البعثة إلى مصر دون أن يكمل فاروق تعليمه.

- تردد أيضا أن أحمد حسنين عندما عاد مع الملك الصغير نجح في أن ينسج خيوط فتنته حول الملكة نازلي وأن يجعلها تقع في غرامه، وكانت الملكة بعد رحيل زوجها قد انطلقت في الاستمتاع بمتع الحياة ومباهجها بشكل كبير، مما أدى إلى التصادم بين الملك فاروق وأمه أكثر من مرة، في حين ظهر أمامها أحمد حسنين كرجل رقيق وجذاب ويجيد التعامل مع النساء والفارس والمغامر أيضا.

- ارتبطت الملكة نازلي بعلاقة عاطفية مع أحمد حسنين، استمرت لما يقارب 9 سنوات، إلى أن توفي في حادث السيارة الشهير ذات يوم ممطر على كوبري قصر النيل، حين اصطدمت به سيارة نقل جنود تابعة لجيش الاحتلال البريطاني.

- مما روى أيضًا أنه ترامى لسمع نازلي اللقاءات المتكررة بين حسنين باشا وأسمهان في فندق مينا هاوس بالهرم، فما كان منها –بدافع الغيرة– إلا أن طردت أسمهان من مصر عبر حسين سري باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية، والذي تولى عملية تنفيذ القرار، مبلغاً أسمهان بأن إقامتها في مصر انتهت وأن عليها أن تغادر خلال أسبوع، ولم تجد اسمهان من يقف بجانبها سوى دون جوان الصحافة المصرية آنذاك وصديقها محمد التابعي الذي تمكن بصداقته لكبار المسؤولين أن يوقف تنفيذ هذا القرار، وتجددت إقامتها مرة أخرى في مصر.

- بعد ذلك بوقت قليل ووفقا للشائعات التي ترددت عن العلاقة بينهما، تزوجت الملكة نازلي من أحمد حسنين «عرفيًا» بموافقة الملك فاروق، وظلت نازلي زوجة لأحمد حسنين عرفيًا حتى تاريخ وفاته، في 19 من فبراير 1946.

- كان الصدام والخلاف قد بلغ ذروته بين الملك فاروق وأمه نازلي في 1942، بسبب علاقتها بأحمد حسنين، فسافرت إلى القدس ونزلت في فندق الملك داوود، وهناك انتشرت القصص عن فضائحها مع رجال مختلفين من العرب والأجانب، ويقول صلاح الشاهد الذي كان قريبًا من القصر ومطبخ السياسة «إن فاروق استدعى النحاس باشا وقال له: إن والدتي تحبك وتحب زينب هانم (زوجة النحاس باشا) وأرجو أن تسافر لإحضارها».

- سافر النحاس وقرينته إلى القدس وأقاما في الفندق أسبوعًا يحاولا إقناع نازلي بالعودة، فاشترطت أن تستقبل في محطة مصر استقبالا رسميًا، وأن يكون الملك نفسه في استقبالها على رصيف المحطة، ووعدها النحاس بذلك، وعاد النحاس وقرينته إلى القاهرة وأبلغ الملك فأصر على ألا يذهب إلى المحطة والاكتفاء باستقبال الرسميين وتشريفة الحرس الملكي لها، لكنه عاد ووافق على مطالبها وذهب لاستقبالها على رصيف المحطة.

- كانت نازلي قد سافرت إلى أوروبا وعزمت ألا تعود إلى مصر وعند وصولها إلى مارسيليا قابلت شخصًا انتهازيا يدعى رياض غالي كان أمينًا للمحفوظات بقنصلية مصر فى مارسيليا، وكانت القنصلية المصرية قد كلفته ليكون في خدمة الملكة، ولكى يشرف على نقل حقائبها، إلا أنه وفى فترة وجيزه تحول من مجرد مرافق للملكة والأميرات إلى عشيق جديد يضاف إلى قائمة الملكة نازلي، وظل يلازمها ليل نهار، لدرجة عندما سافرت إلى سويسرا وفرنسا وانجلترا ثم استقرت في أمريكا كانت تصحبه معها

- وصلت إلى مصر هذه التفاصيل، فطلبت وزارة الخارجية من رياض غالي العودة إلى عمله في مارسيليا، فرفض الإذعان لطلب الوزارة، فقررت الوزارة إحالته إلى المعاش، فاستبقته نازلي في خدمتها، وادعت أنه السكرتير الخاص، وعوضته أضعاف مرتبه.

- بعد ذلك دوت في العالم أنباء أكبر فضيحة تناقلتها الصحافة الأمريكية والأوروبية، مفادها أن رياض غالي- المغامر المسيحي- أصبح العاشق للملكة الأم ولابنتها -الأميرة فتحية- في نفس الوقت مما مثل الختام المأساوي لقصة الملكة.

- هناك حوار منشور في مجلة المصور بتاريخ 7 يناير 1971، أجراه جميل عارف، مع رياض غالي، قال فيه: «طيلة إقامة الملكة وابنتها الأميرة فتحية والأميرة فائقة في مارسيليا لم أحظ بمقابلتهن، وفي صبيحة يوم سفر الملكة استدعاني القنصل وكلفني بحمل البريد الذي ورد باسم الملكة إلى جناحها في الفندق، دعتنى الملكة للجلوس وسألتني عن اسمي وأسرتي، وعملي وثقافتي، وعندما وصلت إلى دار القنصلية علمت أن الملكة اتصلت بالقنصل ليتخذ الإجراءات لانتدابي لمرافقتها إلى الولايات المتحدة في رحلة علاجها، إلا أن الأمور قد أخذت مجرى آخر بعد ذلك وبدأت الأنباء تتردد في أوروبا ووصلت إلى الشارع في القاهرة عن علاقة الملكة الأم بعاشق جديد

- أورد حنفي المحلاوي في كتابه عن «الملكة نازلي» بعض البرقيات والتقارير التي وصلت إلى الملك ومازالت محفوظة في أرشيف قصر عابدين، ومنها مثلا :«نيس 3 نوفمبر 1946- شوهدت الملكة نازلي مع رياض غالي في المعرض، وكانت تتحدث معه بغير كلفة، واشترت روائح عطرية مختلفة، وكانت تضع بعضها على أنفه ليشم الرائحة»، وأيضًا: «باريس 17 نوفمبر 1946 وصلت الملكة نازلي إلى هنا وحجزت غرفة لرياض غالي في فندق (بلانتزا أتينيه) بجوار جناحها»، وبرقية ثالثة: «باريس 27 نوفمبر 1946- شوهد رياض غالي في البنك يودع فيه مبلغا طائلا باسمه، كما شوهد في نفس اليوم يقود سيارة ومعه الملكة والأميرتان»، وفي الرابعة: «جنيف 7 أبريل 1947 لوحظ أن الملكة تتناول إفطارها فى الفندق يوميا مع رياض غالي، وهو الحاكم بأمره في الحاشية الملكية، ويبدي أفراد الحاشية استياءهم لنفوذه الذي يزداد وسيطرته الكاملة على الملكة».

- وفي منتصف مايو 1947 هاجرت الملكة نازلي إلى أمريكا، واستقال رياض غالي من عمله في وزارة الخارجية ليتفرغ للملكة وابنتها فتحية، وأقام معها في فيلا اشترتها نازلي في بيفرلي هيلز، في هوليوود أرقى أحياء أمريكا، وأجريت لها ثلاث عمليات جراحية إحداها لاستئصال الكلى اليمنى.

- وفي حديث صحفي قال رياض غالي: «ذات يوم جمعتني الظروف بالأميرة فتحية وكنا بمفردنا وحدث ما كنت أخشاه، فقد صارحتني بحبها لي، فقلت: مستحيل أنت أميرة وأنا لا شيء، واستدعتني الملكة نازلي ذات يوم وإذا بها تفاجئني بقولها: اسمع يا رياض، أنا أعرف ما يدور وراء ظهري بينك وبين فتحية، فقلت: لقد فكرت في هذا الموضوع وقررت إشهار إسلامي، فقالت: على بركة الله، واستدعت ابنتها فتحية واستقبلتها بقبلة وهنأتها، وأمام تعنت الملك فاروق فيما أقدمنا عليه قررنا أن نضعه أمام الأمر الواقع بعدما سمعنا بثورته وتهديده لنا جميعا، فحددنا موعدا للزواج، ولكن فاروق ازداد هياجًا وثورة، بل هددني بأنه سوف يقتلني بنفسه إن رآني، وفى أواخر أبريل 1950 طلب فاروق من النحاس باشا أن يستخدم نفوذه لدى الملكة نازلي لمنع هذا الزواج بأي ثمن، واتصل الناس بها، وقال لها: ثقي أن هذا الزواج سيكون أول مسمار في عرش ابنك، وأول مسمار في نعشه، ووصلت التهديدات إلى أسرة رياض غالي، ورفضت السفارة المصرية في واشنطن تجديد جواز سفره

- وفي أوائل مايو 1950 عقد الزواج المدني في سان فرانسسكو بين رياض غالي والأميرة فتحية، وطلب فاروق أن تنشر الصحف قصة هذا الزواج بالتفصيل، كما طلب من الرقابة عدم حذف أي شيء فيها، وأمر مجلس البلاط

برئاسة الأمير محمد علي، بالاجتماع للنظر في أمر الملكة الأم والأميرة، وقرر مجلس البلاط رفض زواج فتحية من رياض، وتجريدها هي وأمها الملكة نازلي من امتيازاتهما الملكية، فلم تعد الملكة «ملكة» ولم تعد الأميرة «أميرة»، ومصادرة أملاكهما وأموالهما في مصر.

- كان لهذا الحدث تأثيره النفسي السيء على الملك، فقد كان مؤلما وسيئا بدرجه كبيره، وقد اعطى فرصة كبيرة لكل المعارضين للملك والحكم الملكي وقتها إلى تقديم النقد واللوم للملك، كما أدى إلى خروج شعارات كثيرة تهاجم الملك والملكة الأم، منها على سبيل المثال: «من لا يحكم أمه لا يحكم أُمة».

- كانت الملكة نازلي قد أصيبت بمفرض عضال في نهاية أيامها وشيت منه، وأشيع أنها اعتقدت أن ممرضتها المسيحية هي السبب في شفائها، فاعتنقت الكاثوليكية في 1965، وهو نفس عام وفاة ابنها الملك فاروق.

- في 9 ديسمبر 1976 أطلق رياض غالي الرصاص على الأميرة فتحية، وقتلها بعد إدمانه الخمر والمخدرات، وحاول الانتحار بإطلاق الرصاص على رأسه، لكنه لم يمت وحكم عليه بالسجن 15 عامًا، ومات رياض غالي، ثم ماتت الملكة نازلي عام 1978، وعمرها 83 سنة ودفن الثلاثة في إحدى كنائس لوس أنجلوس، حيث ماتوا على المذهب المسيحي الكاثوليكي، بعد أن تبددت الثروة وعاشوا حياة الفقر.