الألبوم " تأملات هادئة"

جلَسْت فى أحد أيام العُطلات فى غرفة المعيشة كعادتى أُشاهِد برامج التليفزيون وأتَطلَّع بنظرى مِن حينٍ لآخر وبصورة تِلقائية فى أرجاء الغُرفة التى أجلِس فيها ومحتوياتها ، وأثناء ذلك وقَع نظرى على أحد الأرفُف بالمكتبة يحتوى على مُجلَّدَات ألبوم صور العائلة والذى لم أكُن قد تصَفَّحته مُنذ فترة طويلة ، وشعرت فى هذه اللحظة برغبةٍ شديدة فى إسترجاع ذكرياتى وذكريات العائلة مِن خلال الصور النادرة التى يحتويها هذا الألبوم الفريد ..

وعلى الفور نهَضْت مِن مكانى بشغَف حيث إلتقَطت الألبوم بيدى لأعود وكُلِّى شوقاً لإسترجاع ما به من ذكريات ......

كنت فى مُنتهى السعادة والتأثر وأنا أتطلَّع مِن خلال هذا الألبوم - الذى يُشبِه البلُّورة السِحرية التى نُشاهدها فى أفلام الخيال العلمى - على شَريط وذكريات حياتى وحياة أسرتى بأكمَلها بِدءاً من صورتى وأنا طفل صغير مُتعلِقاً بكَتِف أمى أنظر بخوف إلى كاميرا المُصوِّر ، مروراً بصوَر نادرة تذُكِّرنى بمشوار حياتى وعلاقاتى والأيام التى قضيتها مع إخوتى وأقربائى وأصدقائى فى مراحل الطفولة والشباب وحتى الآن ..

تطَّلعت إلى أمى وأبى ( رحمهما الله ) وهما يحتضنونا ( أنا وإخوتى ) والبسمة تملأ وجهيهما فى مناسباتٍ عديدة وأماكن جميلة حَرِصوا على أن يُمتِعونا بها ويستمتعوا معنا فيها .. رأيت صِور لى مع أصدقاء الطفولة والدراسة والسكن والعمل ، وكانت كل صورة منهم لها عندى حكاية وذِكرى لا يُمكِن أن أنساها ، وبالطبع - مع ظروف الحياة القاسية - فإن العديد من هؤلاء الأصدقاء للأسف لم أعُد أقابلهم أو أعرف أخبارهم منذ فترة طويلة .

شاهَدْت على صفحات الألبوم لقطات عزيزة لحفل زواجى بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الصور لأُسرَتى الصغيرة وأفراد عائلتى الكبيرة تشمل الآباء والأمهات والإخوة والأولاد والأحفاد والأقارِب والأحباب فى مُناسبات مُختلفة سواء أعياد الميلاد أو الأفراح أو اللقاءات العائلية المُتعدِّدة ، وكنت أشعُر وأنا أراها أننى بالفعل أعيش لحظتها ، بل وأتذكَّر حتى الآن بعض التعليقات والقفشات التى صدَرَت ممَّن كانوا فى الصور أثناء التقاطها ، فلقد كانت كل هذه اللقطات تَحمِل أجمل معانى الحب والتآلف والترابُط بين جميع أفراد العائلة كبيراً وصغيراً .. رأيت مِن خلال الصور بعض الأقارب والأحباب الذين فارقوا دُنيانا ولكنهم لم يفارقوا ذاكِرتنا ، فكانت رؤيتى لهم ( حتى ولو كانت على الورق ) فرصة عزيزة لإستعادة ذكراهم والترَحُّم عليهم .. كان الألبوم يحمِل صوراً للأسرة والأصدقاء خلال رحلاتنا وتنزُّهاتنا فى أماكن جميلة وساحرة من أرض مصرنا الحبيبة نعتز ونفتخر بها جميعاً ، بعضها لها تاريخ وطابِع أثَرِى عظيم تحسدنا عليها كل بلاد العالم ، وقرَّرت بعد مشاهدة هذه الصور أن أعاود زيارة تلك الأماكن قريباً مع أولادى وأحفادى للإستمتاع بها وإستعادَة الذكريات
مع آخِر صفحات الصور أغلَقْت الألبوم وضمَمْته إلى صدرى وقد إنتابنى إحساساً غريباً وجميلاً ، وكأننى قد مرَرْت خلال هذه الدقائق المعدودة بتاريخ حياتى كلها ، إستعَدْت فيها سنوات طفولتى وشبابى وأيام حاضرى الذى مازلت أعيشه ، وإستمتَعْت بذكرياتى مع كل أحبائى ومعارِفى وأصدقائى ..

لقد شعَرْت بأننى كنت مُقصِّراً إلى حدٍ كبير بسبب إهمالى فى تصفُّح هذا الألبوم السحرى من وقتٍ لآخَر ، وأيقَنْت أن هذا الكنز من الذكريات الذى له تأثير نَفسى شديد على من يتصَفَّحه لا يستحِق أبداً أن يصبح مُجرد مُجلَّدات ذات شكل جميل توضَع على الأرفُف لتزيين المكان ...
لقد ساعدنى إسترجاعى لشريط الذكريات من خلال الألبوم إلى الإكثار من الدعاء إلى الله بالرحمة لأبى وأمى وكل أحبائى الذين رحلوا عنَّا ..
وسارَعْت فى نَفْس اليوم إلى إجراء إتصالات تليفونية مع إخوتى للسؤال عنهم ورَويت لهم عن صور الألبوم التى رأيتها وتحدثنا كثيراً عن ذكرياتنا سوياً مع ظروف ومُلابسات التقاط هذه الصور .. وأرسَلْت العديد من الرسائل من خلال الموبايل والإنترنت إلى بعض الأصدقاء الذين لم أتصِل بهم منذ فترة للسؤال عنهم ، وسَعِدْت كثيراً لوصول ردود منهم تَحمِل كل معانى الوِد والأمل فى اللقاء ..

وحاوَلْت من خلال التقدُّم التكنولوجى المُتاح الآن فى مواقِع التواصُل الإجتماعى على الإنترنت البحث عن أسماء بعض أصدقائى القدامى التى إنقطَعَت صِلَتى بهم منذ سنوات طويلة لعَلى أستطيع الوصول إليهم وإعادة التواصُل معهم من جديد .. لقد قررت أن أواصِل على مدى أيام إستكمال الألبومات الموجودة بإضافة الصور الحديثة للعائلة والأصدقاء بعد أن أيقَنْت تماماً أنه مِن المُهِم أن يكون للشخص تاريخ مُسجَّل ومُجمَّع يُمكِن أن يستمتِع به فى حياته ويتركه لأولاده وأحفاده من بعده لتذكيرهم بماضيهم وذِكرى آبائهم وأجدادهم .

من المؤكَّد أن أى شخص منا عندما يتعرض فى حياته لأى أحداث أو ضغوط قد تُشعِره بالحزن أو الإحباط أو الوحدة أو اليأس أو الخوف أو غير ذلك من الأحاسيس المؤلمة ، فإنه لابد أن يبحَث عن وسيلة يُخفِّف بها آلامه وتُخرِجه ولو لبعض الوقت مِن مشاكِله وهمومه ..

وأنا أعتقد بعد تجربتى وإحساسى فى هذا اليوم أن كل شخص فى هذه الحالات يجب أن يلجَأ - بعد الله عز وجل - إلى البَحْث عن ذاته وذكرياته من خلال " الألبوم " .