الراديكالية


إعداد الدكتور خالد احمـد الشنتوت
باحث في التربية السياسية

نسمع كثيراً يقال فلان راديكالي ، ونظام حكم راديكالي ، وتفكير راديكالي ، فماهي الراديكالية !!؟؟؟الراديكالية هي الميل إلى إخضاع الأنظمة والترتيبات القائمة لتساؤلات نقدية مع الاستعداد للدعوة إلى إصلاح أو حتى إزالة تلك الترتيبات إذا ما ثبت عدم استنادها إلى مبادئ محددة تبرر وجودها ، ومن ثم ، فإن العديد من علماء السياسة يعتبرون الراديكالية موقف أو توجُّه أكثر منها عقيدة سياسية .

والراديكاليون في ميدان السياسة هي ضد المحافظة ذلك أنها تؤمن بأن التحرك السياسي يمكنه أن يصلح من أوضاع الأفراد في المجتمع وذلك على خلاف المذهب المحافظ الذي يرى أن أثر الحركة السياسية في تحسين الأوضاع البشرية داخل المجتمعات السياسية أثر محدود جداً على أحسن تقدير ، ويتضح معنى التوجه الراديكالي من استعراض موجز لأشهر المدارس والمذاهب والحركات الراديكالية في تاريخ الفكر السياسي وهي حركة الليفليرز ، وحركة الراديكاليين البريطانيين ، وحركة الاشتراكيين الريكارديين ، ومذهب الراديكالية الفسلفية .

حركـة الليفليرز أما الليفليرز وتسمى حركة المتساوين فكانت حركة إصلاحية راديكالية برزت خلال الحرب الأهلية الإنجليزية خاصة في الفترة ما بين 1646-1649، وتلخصت مطالبها في : 1- التسامح الديني .
2- حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لأكبر قطاع ممكن من الشعب .
3- القضاء على السلطة التحكمية سواء تمثلت في ملك أو طبقة أرستقراطية أو حتى في مجلس العموم .
4- ضمان وجود قانون دستوري يحمي الشعب من الأشكال المختلفة للسلطة المطلقة الحكومية .

ويعتبر الكثير من علماء السياسة الغربيين حركة الليفليرز نقطة بداية جيدة في التاريخ للنظريات السياسية الراديكالية حيث تعتبر أول حركة في بريطانيا تتحدث عن "الشعب" كقوة سياسية علمانية حيث أكدت هذه الحركة أن السلطة السياسية لا يمكن أن تُستمد إلا من الشعب ، فحاول أنصارها وضع مسودة دستور تؤكد هذه الفكرة وذلك في كتاباتهم المعنونة "اتفاقات الشعب" .

الراديكاليين البريطانيين :ولقد كانت حركة الراديكاليين البريطانيين والتي نشطت في إنجلترا بين 1789-1815م صدى لحركة الليفليزر ، ففي نهايات القرن الثامن عشر كان المسرح السياسي في بريطانيا يعج بمناقشات ومطارحات تتناول بالنقد المبادئ التي يقوم عليها النظام السياسي وتطالب بالإصلاح السياسي ، وفي هذا الجو المشحون تشكلت مجموعة من الجمعيات السياسية الراديكالية على المستويين المحلي والقومي أخذت على عاتقها مهمة تنظيم نشر وتوزيع الأدب الناتج عن تلك المناقشات والأهم من ذلك ، أن هذه الجمعيات أضحت تنادي نفسها بالإصلاح البرلماني وبتغيير نظام الانتخاب ، ولقد طور الراديكاليون البريطانيون نظرية سياسية في الحقوق الطبيعية وكذلك في السيادة الشعبية شكلت القاعدة التي استندت إليها الحركة العمالية في بريطانيا في القرن التاسع عشر في مطالبها الديمقراطية والاشتراكية .

كما أن الراديكاليين البريطانيين لعبوا دوراً مؤثراً في وضع أسس نظرية وممارسة الديمقراطية البرلمانية في بريطانيا.

الاشتراكيون الراديكاليون :
فكانوا جماعة من الراديكاليين ظهروا في عشرينيات القرن الثامن عشر معلنين أن العمال في النظم الرأسمالية يحرمون ظلماً من جزء مما هو حق لهم ، ورغم أن تأثير هؤلاء الراديكاليين على المستوى الشعبي لم يتعد منتصف ثلاثينيات القرن الثامن عشر إلا أنهم كانوا مثار اهتمام المنظرين السياسيين على مر العصور بسبب إرجاعهم أسباب أزمة العمال أساساً إلى النظام الاقتصادي ، ورغم أن الاشتراكيين الراديكاليين لم يستطيعوا بناء نظرية متكاملة ومتماسكة تفسر طبيعة الاستغلال الاقتصادي إلا أن المدخل الذي تبنوه في دراستهم لأحوال العمال ومطالبهم الإصلاحية تعد علامة بارزة في تاريخ الفكر الراديكالي .

الراديكالية الفلسفية :
فهي مذهب اقترن باسم جون ستيوارت مِل وغيره من تلامذة جيرمي بنتام وجيس مِل ورغم أنه مذهب سياسي اقتصادي فلسفي نظري إلا أنه اهتم بالجانب التطبيقي أيضاً حيث طالب بتغيرات راديكالية في النظام القائم وارتبط بحركات الإصلاح حتى بدايات القرن التاسع عشر التي عارضت الكنيسة والطبقة الأرستقراطية والاحتكارات الاقتصادية ، وهدف المذهب الأساسي كان العمل على الإسراع بحركة الإصلاح حتى تنجح في تحويل المجتمع الأرستقراطي التقليدي إلى مجتمع حديث علماني وديمقراطي ليبرالي .ولقد قام هذا المذهب ( الراديكالية ) على أربع دعامات أساسية :
1- النظرية النفعية والتي ترى أن على كل فرد أن يسعى إلى تعظيم حظه من السعادة لأكبر عدد من الأفراد في المجتمع 2- الدعامة الثانية لهذا المذهب هي التشريع حيث كان بنتام ناقداً لاذعاً للقانون العام لكونه تقليدياً، تحكمياً ، متعارضاً مع ذاته وصعب الفهم ، ولذا كان يطالب بتشريع جديد يتلافى هذه العيوب .
3- الدعامة الثالثة كانت الأخذ بمبادئ اقتصادية وسياسية مستمدة من المذهب الفردي وتعد على طرف نقيض من الاحتكار والحماية والمبادئ الاقتصادية المرتبطة بالطبقة الأرستقراطية .
4- أما المكون الرابع للمذهب فهو الإيمان العميق بالديمقراطية حيث أكد أن هدف السياسة يجب أن يكون توحيد مصالح الحكام والمحكومين ويرى المذهب أن العقبة الرئيسية في سبيل تحقق هذا الهدف هو وجود مصالح متميزة لأناس معينين وأنه ، من ثم ، يجب منع هؤلاء الناس ذوي المصالح المتميزة من الوصول إلى الحكم وتولي أي مناصب سلطوية كما يجب منعهم من الوصول إلى من هم في السلطة وتوحيد المصالح معهم أو إغرائهم بوسائل غير شريفة بغرض استغلالهم في تحقيق مصالحهم الخاصة المتميزة تلك. ويؤكد المذهب على هذا حيث يستخدم الأرستقراطيون سلطة الحكومة لتحقيق مصالحهم الطبقية، وإن أفضل وسيلة لإعاقتهم هو إقامة نظام نيابي يستند إلى المصلحة العامة للشعب ككل . وأكد المذهب أن هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بإدخال إصلاحات عضوية على النظام مثل إحداث تغيير دستوري جذري يسمح بالانتخابات الحرة المتواترة وكذلك الاستفتاء والتصويت السري وغير ذلك من أساليب اصطلح على كونها ديمقراطية .وفي الوقت الحالي أصبحت الراديكالية هي سمة المجتمعات الغربية المعاصرة حتى أن الصحفي الأمريكي توم وولف استحدث مصطلح "الشياكة الراديكالية" مشيراً بها إلى انتشار موضة تبني وجهات نظر راديكالية ، واليسارية منها على وجه الخصوص ، بين مفكري الطبقة الوسطى في المجتمعات الغربية كأحد أساليب تحقيق صعود يعتد به للسلم الاجتماعي .

الإسـلام والراديكالية :
الراديكالية : بتعريفها الذي يحددها بالدعوة إلى الإصلاح شيء لا بأس به، بل مأمور به في الإسلام .وذلك في قوله تعالى : (المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله) ، وقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يسـتطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" .وما تدعوا إليه الراديكالية ، وهي :استناد الأعمال إلى قوانين ، أي لا تخضع الأعمال إلى أمزجة الحكام بل تكون في نطاق قوانين تصادق عليها الأمة وتقرها .الإيمان بالإصلاح والتحرك السياسي وإصلاح أوضاع المجتمع .حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لأكبر قطاع من الشعب ، ووجود قانون يحمي هذا الشعب .إبراز الشعب كقوة تدافع عن حقوقها ، وإجبار السلطة الجامحة على أن تستمد سلطتها من الشعب . المناداة بالإصلاح البرلماني وجعله يمثل الشعب حقيقة بغير تزوير أو التفاف على مهمته .الدفاع عن حقوق العمال والطبقات الكادحة ، وهم الطبقة الضعيفة في مقابلة أرباب العمل وأصحاب المصالح الأقوياء بالسلطة والمال.تحويل المجتمع إلى علماني بعد تجربتهم لحكم الكنيسة الظالم المتحالفة مع الإقطاع والاستقراطية والحكام المستغلين ( وهكذا كلما نقرأ علماني نفهم أنه ضد هذا الظلم الذي سيطر على الشعوب الأوربية خلال العصور الوسطى ) . ولاننـس أيضاً أن العصور الوسطى هي العصور الذهبيـة للآمـة المسـلمة ...

الخلاصـة : الراديكالية هي محاولة :
1- تحقيق السعادة لأكبر قدر ممكن من الأفراد .
2- المطالبة بتشريعات جديدة صالحة للشعب .
3- منع تسلط طبقة على طبقة .
4- المناداة بالديمقراطية . وهذه أمور مهمة في كل أمة ، ونحن المسلمين لا نعيب هذا ولكننا نأخذه بمنهجنا وسياستنا الإسلامية ، ولو طبقنا شريعة ربنا لصلحت أحوالنا في الدنيا والآخرة ، ولانحتاج عندئذ غيرها .