همم بلغت قمم

تقول إحدى الأخوات :
وصلتني دعوة لحضور حفل تأهيلي لكل طالبة مستجدة للسنة القادمة بمدرسة تحفيظ القرآن الكريم بالقنفذة-فلبيت الدعوة.

واثناء حضوري جلست بجانبي أخت من الجنسية المصرية وتبادلت معها أطراف الحديث و مما شجعني على محادثتها كثرة بسماتها ، وخصوصا بسمتها العريضة عند دخولها القاعة.

عندما اقتربت منها أكثر ؛ قالت لي كم تحفظ طفلتك من القرآن؟
قلت : قصار السور التي تعلمتها في الروضة فقط.
قالت : أنا وزوجي نحفظ القرآن كاملا و أطفالنا في طريقهم لحفظه .

قالت : أنا وزوجي تخرجنا من الأزهر الشريف بمصر ، ولقب أزهري شيء جميل (أي دخلت قسمها في الجامعة للتخصص بشرط وهو حفظ القرآن كاملا) ..قبل الالتحاق بالجامعة حفظت هى وزوجها القرآن ، وتعمقت في الدراسة ، كل سنة تدرس ثلاثين مادة ، وتجيد القراءات السبع للقرآن الكريم .

لها عشر سنوات بالقنفذة لتعليم النساء كتاب الله يوميًا ، من العصر إلى المغرب ، وزوجها دكتور عقيدة في كلية القنفذة.

قلت لها: ألا تنسين ما حفظتِ ؟!
قالت: لابد من المراجعة يوميا.
قلت : كيف هي طريقتك في المراجعة اليومية ؟
قالت : أصلي الفجر وأجلس بعد الصلاة أراجع حوالي ستة أجزاء تلاوة فقط إلى وقت الضحى ، وزوجي مثلي ، وفي المساء نراجع أجزاء التلاوة التي تلوناها في الصباح...نراجعها لبعضنا غيبًا في المساء وهكذا هو برنامجنا يوميا.
بهذة الطريقة اليومية لاينسى.

قالت لي : إن من استعداداتها لرمضان قرار أنها لاتدخل المطبخ لا لعمل فطور أو سحور..قلت لماذا ؟!
قالت: حتى لاتضيع ساعات رمضان في المطبخ نريد ان نقضيها مع القرآن.
تقول رغم استيائنا الشديد من أكل المطعم لكننا مجبرون ، وزوجها يرفض دخولها المطبخ حتى تتفرغ للتسميع له ، وللمراجعة ولختم القرآن غيبًا 15 ختمة أو أكثر.

تقول رمضان إجازة لي ولزوجي من العمل ،
والأهل في مصر ينتظرون عودتنا ، وكل السبل ميسرة للسفر ، لكن رفضنا السفر بحجة أن الاجتماع بالأحباب يلهينا عن القرآن ، فلا نختم إلا مرتين في مصر، فلذلك قررنا البقاء.

قلت ما الدافع الداخلي لهذا العمل الجبار؟!
قالت أنا وزوجي نستشعر أن كل رمضان نعيشه هو آخر رمضان لنا..ونوقن أنه قد لايعود علينا.

عند ختام الحفل أمسكت بهاتفي المحمول لأكتب رسالة حول آية كالتي أرسلها لقائمتي ، وكانت بجانبي وقالت دعيني أقرأ الآية وماذا كتبتِ ؟
ناولتها هاتفي فتغير لونها واقشعر جسمها و ارتعشت ..و أسقطت أدمعا..ثم ابتسمت ..
قلت لها ماذا جرى لك ؟!
الكلام ليس بغريب؟!
قالت ماأنا فيه من عظمة القرآن ..استحضرت قوله تعالى :
" الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد "

رجعت مطأطأه الرأس ، شتان مابين تفكري و تفكيرها، شهر رمضان لاتدخل المطبخ !! وتأكل من المطعم !!
و أنا أفكر كل عام في المطبخ وما سأقدمه لأبنائي من طعام ؟!!

لقد علمتني هذه الأخت درسًا ، لا أنساه ما حييت .

شكرًا لك ربي على موعدٍ مع أهلك وخاصتك من غير تخطيط له.

تلك نفوس عانقت بهمتها السحاب ،
رزقني الله وإياكم همة عالية كهمتها ، وعزيمة صادقة كعزيمتها ، ورزقنا الإخلاص والقبول لاتبخلي بها لغيرك
اللهم ارحم حالنا