العقل المغامر


من الأفكار التي انتشرت في زمننا هذا هي حرية التفكير من دون ضوابط ولا تأطير ولا رجوع إلى العلماء الموثوقين ولعل الأصل في هذا التفكير هو ما فعلته الكنيسة في عهد أوروبا المظلم وما نتج بعد ذلك بما يسمى بالعلمانية.

- إن من يدعي حرية التفكير من دون ضوابط هو في الحقيقة ليس حرا في تفكيره لأن طريقة تفكيره قد برمجت من طرف صناع العلمانية وما ينادون به فكيف لشخص أن يدعي بأن له حرية تفكير من دون ضوابط .

من المعروف أن تفكير الانسان حتى ولو ادعى الحرية في التفكير من المعروف أن تفكيره يكون في الأصل انطلاقا مما علمه وأكسبه له غيره أي القاعدة التي اكتسبها منذ نشأته.

فيا من تدعي حرية التفكير من دون ضوابط هل أنت من وضعت هذه القاعدة أو الأساس وصنعته بنفسك أم تعلمته من غيرك.

ولكي أفسر لك أكثر أقول لقد قال أحد المفكرين أنه لو ترك طفل صغير حديث الولادة مع حيوان معين ولم يوضع مع إنسان مثله لفترة من الزمن ثم عدنا بعد تلك الفترة لذلك الصغير لوجدناه يتصرف تصرف ذلك الحيوان و لو ترك لفترة أطول مع الحيوان حتى يكبر منعزلا عن البشر سيصبح حيوانا ببعض ملامح البشر.

- إن الناس يدعون إدعاءات ويسيرون في حياتهم من دون تبصر ولا مراجعة للماضي كيف اكتسبوا تفكيرهم ومن علمهم إياه ومن أين التقطوا الكثير من الأفكار.

- كثير منا مبرمج في تفكيره ولكننا لا ندري ويوجد منا من هو مبرمج ليس فقط ليدمر نفسه بل ليوجه لتدمير مجتمعه.

- إن العقل يجب أن يضبطه الشرع ومن أعلم بالشرع هم العلماء الأجلاء فإذا من أراد أن يكون تفكيره منضبطا عليه بأن يعود في كل أحواله إلى الشرع. صحيح يوجد من الأمور الشرعية من يعلمها كثير من الناس ولكن يجب العودة إلى العلماء الأجلاء الموثوقين في الأمور التي لا نعرفها خصوصا حينما نريد الخوض في فكرة معينة أو قرار صعب يحتوي على فكرة جديدة لا نعلم قول الشرع فيها إلا بالرجوع إلا العلماء.

- أما السباحة بالنسبة للعقل منفردا بعيدا عن الشواطئ المحروسة وبعيدا عن أعوان الإنقاذ فذلك خطر كبير ولا يلومن المرء في النهاية إلا نفسه.

- إن العقل المغامر المدعي حرية التفكير من دون ضوابط هو أشبه بطفل صغير دخل منفردا في غابة مليئة بالوحوش والحيوانات المفترسة والنتيجة معروفة.

فإذا لابد للعقل من مرافقة فحتى العلماء يعودون إلى العلماء الأعلم منهم في الأمور التي لا يعلمونها فالانسان إذا كان يفكر في أمر معين وكان بسيطا وكان يعلم رأي الشرع في تفاصيله فهنا تفكيره قد انضبط أما أن يخوض الانسان في أمور خطيرة لا ينضبط تفكيره فيها إلا بالرجوع إلى العلماء فلا يمكن التعبير عنه إلا بأن الانسان يتبع هواه في التفاصيل المشبوهة والتي غاب عن عقله قول الشرع فيها.

- إن العقل يركب فقط فإذا رأى سمكة ورأى إمرأة يمكنه تصور حورية بحر ولكنه لا يمكن أن يتصور أمورا جديدة من دون تركيب أي من دون معلومات سابقة وهنا يظهر لنا فساد فكرة حرية التفكير من دون ضوابط فأسس التفكير وقواعده لابد وأن تكون قد وجدت في كل شخص من قبل بغض النظر عن صلاحها أو فسادها ولكن الصالح يولد الصالح والفاسد يولد الفاسد والمختلط ربما أحيانا يصيب ويخطئ.
وأي لحظة نفكر فيها تنطبع بما اكتسبناه من قبل وهنا يدخل الغير في معادلة الاكتساب.

ضعف العقل ومحدوديته :

إننا كلنا ندرك ومتيقنين بأن ما نأكله من خضر وفواكه تنفذ وتقل تزيد كميتها وتنقص الأموال أيضا المساحة أيضا وفي كثير من الأشياء نتوقع وندرك الزيادة والنقصان فهل يمكن تصور أنه يوجد في زمان ومكان آخرين مثل هذه الأشياء لا تزيد ولا تنقص بعبارة أخرى هل يمكن لعقولنا أن تتصور أن يوجد عالم من دون نقصان وزيادة أعتقد أنه للأسف بالرغم من أن العقل يمكنه تصور هذا انطلاقا من الأساس: الزيادة من جهة والنقصان من جهة أخرى أي يمكن تصور نفس الأشياء التي تزيد وتنقص من دون زيادة ولا نقصان ولكننا لم نتصور هذا مطلقا لذا تجدنا نخشى على المال من النفاذ ونخشى من زيادة عدد سكان الأرض وهكذا.

- إذا كان العقل يغيب عنه ما يتصور فكيف به بما لا يتصور.
أدركوا أنفسكم وصفوا أذهانكم وعودوا إلى شرع الله وصدقوني لقد نظرت في سلوك الكثيرين منا في زمننا هذا فرأيتها تعود إلى كثير من أقوال الفلاسفة الغربيين.

- يرتبط مصطلح المغامرة عند كثيرين بالشجاعة والإقدام وهذا مثال عما غرس وزرع فينا ولكنني سميت موضوعي بالعقل المغامر دلالة على التهور والخطر المحيط والمحتوم.